فوزي آل سيف
162
الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط
الخريطة السليمة للحياة ومن الناس من يكون كسولا لأن خريطته الحياتية خريطة خاطئة، ربما على مستوى العقيدة مثل أولئك الذين قالوا (مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ)[368]ومثلها آية أخرى: (إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ). إن من يعتقد بهذه الفكرة عن الحياة ـ وهم للأسف ـ ليسوا قلة، بل إن تيار اللهو والعبث يعتقد بهذا عمليا وإن لم يصرح به لفظيا، لكنه يعيش بهذا النحو، ولسان حاله: الدنيا ساعة قصيرة فاستمتع فيها. ولذلك ترى هؤلاء لا يستفيق من شهوة إلا لكي يسكر بلذة، وهكذا يستفرغ أيام عمره، وقوة بدنه، ووفرة ماله في هذه الدائرة! أين هذا؟ وأين ذاك الذي يؤمن بأنه لا ينبغي أن تكون حركته (الفكرية، العضلية، المالية) إلا في احدى ثلاث: إِمَّا مَرَمَّةً لِمَعَاشٍ" أي: ترميم، وإصلاح حياتك المادية عن طريق الكسب الحلال، والانشغال الجدي بالعمل الاقتصادي؛ لأنه يغنيك عن غيرك، ويصونك ألّا تكون كَلًّا على الآخرين. إنك بهذا السعي تصون ماء وجهك وكرامة نفسك ألّا تقطره وتتلفها بالسؤال والاستعطاء وكما في الرواية: "مَاءُ وَجْهِكَ جَامِدٌ يُقَطِّرُهُ السُّؤَالُ". وقد مر شيء من الحديث في هذا في موضوع الكسل في الجانب المالي والمعاشي. فهذا أول ضلع من أضلاع المثلث الحياتي لحركة الإنسان. "أَوْ تَزَوُّدٍ لِمَعَادٍ"، تزود يأتي بمعنى افتعال من الزاد تهيئة الزاد وتجميعه ليوم المعاد، وهو استجابة لأمر الله تعالى (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى) وبالطبع فإن من محققات التقوى؛ العبادات ولذلك شرعت كالصلاة والصيام، والحج، وغيرها.. بل هذا التزود يشمل كل حركات الإنسان المباحة بل لذاته إذا قصد بها وجه الله، فأكله الطعام يمكن أن يتحول إلى عبادة عندما ينوي به التقوي بالطعام على عبادة الله وطاعته، وذهابه للعمل وكسبه يمكن أن يجعله طاعة وتزودا للمعاد إذا كان بهذا القصد.. وهكذا. "أَوْ لَذَّةٍ فِي غَيْرِ مُحَرَّمٍ". إن الله سبحانه لم يخلق شيئا وبخل به على الخلق، ولذلك لا مانع أن يرفه الإنسان عن نفسه بالذهاب مع الإخوان لمشاهدة الطبيعة وما خلق الله فيها من مناحي الجمال والمتعة، سواء في بلده أو خارج بلده، برا وبحرا، كل ذلك بشرط ألّا يخلط ذلك بتجاوز ما حرمه الله، لذلك شرطت اللذة بأن تكون في غير محرم! والغريب في بعض الناس أن الله جعل لهم ما في الأرض (حلالًا طيبًا)[369]، و(من حيث شئتما) لكنهم يأبون إلا (خطوات الشيطان) مع أنه (إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ)[370]. فيترك الزواج بأقسامه ليذهب للزنا والمتع الجنسية المحرمة، ويترك الطعام والشراب بأقسامه ويذهب ليأكل (ما لم يذكر اسم الله عليه) ويشرب ما هو (رجس من عمل الشيطان). هذه هي الخريطة الأساس التي ينبغي أن تكون للمسلم؛ مرمة لمعاش، تزود لمعاد، لذة في غير محرم.
--> 368 ) الجاثية: 24 369 البقرة: 168 (يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) 370 البقرة:169